الشيخ محمد هادي معرفة

273

التفسير الأثرى الجامع

قال الفخر الرازي : في تأويل هذه الآية وجوه ، أحدها - وهو قول أبي مسلم والقفّال ، وهو الأليق بأصول المعتزلة - : معناه أنّه تعالى ما بنى أمر الإيمان على الإجبار والقسر ، وإنّما بناه على التمكّن والاختيار . قال : احتجّ القفّال على أنّ هذا هو المراد ، بأنّه تعالى لمّا بيّن دلائل التوحيد بيانا شافيا قاطعا للعذر ، قال بعد ذلك : إنّه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل ، للكافر عذر في الإقامة على الكفر إلّا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه ، وذلك ممّا لا يجوز في دار الدنيا ، الّتي هي دار الابتلاء ؛ إذ في القهر والإكراه على الدين بطلان معنى الابتلاء والامتحان . قال : ونظير هذا قوله تعالى : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ « 1 » . وكذا قوله : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ « 2 » . وقوله : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ . إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ « 3 » . قال : وممّا يؤكّد هذا القول أنّه تعالى قال - بعد هذه الآية ( آية نفي الإكراه ) - : قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ . يعني ظهرت الدلائل ووضحت البيّنات ، ولم يبق بعدها إلّا طريق القسر والإلجاء والإكراه ، وذلك غير جائز ، لأنّه ينافي التكليف « 4 » . * * * وقال أبو عليّ الطبرسيّ : في الآية عدّة أقوال : أحدها ، أنّه في أهل الكتاب خاصّة ، حيث يؤخذ منهم الجزية . عن الحسن وقتادة والضحّاك . وثانيها : أنّه في جميع الكفّار ، ثمّ نسخ . عن السدّي وغيره . وثالثها : أنّ المراد : لا تقولوا لمن دخل في الدين بعد الحرب : أنّه دخل مكرها ، لأنّه إذا رضي بعد الحرب وصحّ إسلامه فليس بمكره . عن الزجّاج . ورابعها : أنّها نزلت في قوم خاصّ من الأنصار ، حسبما جاء في أسباب النزول . عن ابن عبّاس وغيره . وخامسها : أنّ المراد : ليس في الدين إكراه من اللّه ، ولكن العبد مخيّر فيه ؛ لأنّ ما هو دين في

--> ( 1 ) الكهف 18 : 29 . ( 2 ) يونس 10 : 99 . ( 3 ) الشعراء 26 : 4 . ( 4 ) التفسير الكبير 7 : 14 - 15 .